محمد بن محمد ابو شهبة
110
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الناس هيأ له الأسباب ، فألهم سارة ، فقالت لإبراهيم : إن الرب قد أحرمني الولد ، فادخل على أمتي هذه لعل اللّه يرزقك منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم - عليه السلام - فحملت منه ، ثم وضعت إسماعيل - عليه السلام - وقد ولد ولإبراهيم الخليل ست وثمانون سنة ، وبعد ذلك بشرت الملائكة سارة بإسحاق نبيا من الصالحين ؛ فولدته بعد العقم ، وعلى الكبر ، ولإبراهيم نحو من مائة سنة ، فبين ولادة إسماعيل وإسحاق ما يقرب من أربعة عشر عاما . ومن ذرية إسماعيل كانت العرب العدنانية على اختلاف قبائلها وبطونها ، ومن سلالته من الأنبياء خاتمهم ، وواسطة عقدهم ، ونبي العرب والعجم : سيدنا محمد بن عبد اللّه القرشي الهاشمي صلّى اللّه عليه وسلّم . إسكان هاجر وإسماعيل بجبال فاران « 1 » ولما وضعت هاجر المصرية « 2 » إسماعيل داخل السيدة سارة ما يداخل الضرائر من الغيرة ، لأنها لم ترزق بولد ، وقد تراءى لها أن هاجر بدأت تتعاظم عليها ، فصارت تلاحقها بالأذى . فأمر اللّه خليله إبراهيم أن يذهب بهاجر وابنها إسماعيل إلى واد بجبال فاران ، حيث يوجد مكان الكعبة البيت الحرام ، وكان هضبة حمراء مشرفة ، تطييبا لخاطر السيدة الصابرة سارة ، وتنفيذا لما سبق به التقدير الإلهي من بناء البيت ، وأن يصير من نسل إسماعيل أمة مسلمة عظيمة ، وأن يبعث فيها رسولا من أنفسها ، يتلو عليهم من آياته ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، فأخذهما الخليل وذهب بهما إلى هناك ، وترك عندهما جرابا من تمر وسقاء من ماء ، ثم عاد ، فجرت وراءه هاجر ، وهي تقول : إلى من تتركنا يا خليل الرحمن ؟ اللّه أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، فقالت : إذا لا يضيّعنا ! ! وهذا يدل على إيمانها ، وشدة توكلها على ربها ، وأنها جديرة أن تكون أما لنبي عظيم ، ولأمة عظيمة .
--> ( 1 ) فاران : هي مكة كما يعبر عنها في التوراة . ( 2 ) هي من قرية « أم العرب » ويقال : أم عريك كانت أمام الفرما .